الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 87
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
المجلسي وغيرهما رهم تطلق على معان كثيرة فيها الصّحيح والفاسد أحدها ما ذكره في اخر التّعليقة من انّ اللّه تعالى خلق محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وفوّض اليه امر العالم فهو الخلاق للدّنيا وما فيها وقيل فوّض ذلك إلى علي عليه السّلم وربّما يقولون بالتفويض إلى سائر الأئمّة عليهم السّلام أيضا كما يظهر من بعض التّراجم قلت قد نسب الاعتقاد بذلك إلى طائفة فان أرادوا ظاهره وهوانّهم هم الفاعلون لذلك حقيقة فهو الكفر الصّريح وقد دلّت الأدلّة العقليّة والنّقليّة على بطلانه وفي العيون عن الرّضا عليه السّلم انّ من زعم انّ اللّه تعالى فوّض امر الخلق والرّزق إلى حججه فهو مشرك الحديث وان أرادوا انّ اللّه تعالى هو الفاعل وحده لا شريك له ولكن مقارنا لأرادتهم ودعائهم وسؤالهم من اللّه ذلك كشقّ القمر واحياء الموتى وقلب العصى وغير ذلك من المعجزات فهو حقّ لكرامتهم عند اللّه وزيادة قربهم منه واظهار فضلهم ورفعة مقامهم بين خلقه وعباده حتّى يصدّقوهم وينقادوا لهم ويهتدوا بهداهم ويقتدوا بهم فانّهم الدّعاة إلى اللّه والادلّاء على مرضاته ولكن هذا المعنى ليس من التّفويض في شئ بل هو المعجز الصّرف نشأ على يدي حجّة اللّه تعالى لبلوغه أعلى مراتب الإخلاص والعبوديّة فتفسير التفويض بذلك لا وجه له الثّانى التّفويض في امر الدّين بمعنى انّ اللّه تعالى فوّض إليهم ان يحلّوا ما شاؤوا ويحرّموا ما شاؤوا ويصحّحوا ما شاؤوا ويبطلوا ما شاؤوا بآرائهم من غير وحى وهذا أيضا ضرورىّ البطلان وقد تظافرت الأيات وتواترت الأخبار بانّهم لا ينطقون عن الهوى ان هو الّا وحى يوحى وانّ اللّه تعالى كان متفضّلا عليهم بملكة كانوا يفهمون من كتاب اللّه تعالى ما كان وما يكون وانّ الكتاب تبيان كلّ شئ وان أرادوا بذلك انّه تعالى لما أكمل نبيّه ( ص ) بحيث لا يختار الّا ما يوافق الحقّ ولا يخالف مشيّته فوّض اليه تعيين بعض الأمور كزيادة بعض الرّكعات وتعيين النوافل من الصّلوة والصّيام وطعمة الجد ونحو ذلك اظهارا لشرفه وكرامته ثم لمّا اختار اكدّ ذلك بالوحي من عنده فلا فساد عقلا ولا نقلا فيه بل في كثير من الأخبار ما يدلّ عليه وقد عقد له في الكافي بابا بل نسبه بعضهم إلى أكثر المحدّثين الثالث تفويض امر الخلق إليهم في السّياسة والتّأديب والتّكميل وامرهم بطاعتهم بمعنى انّه يجب عليهم طاعتهم في كلّ ما يأمرون به وينهون عنه سواء علموا وجه الصّحة أم لا بل ولو كان بحسب ظاهر نظرهم عدم الصّحة بل الواجب عليهم القبول وتفويض الأمر إليهم والتسليم لهم بحيث لا يجدون حرجا فيما قضوا ويسلّموا تسليما كما قال سبحانه وهذا لا شبهة في صحّته الرابع تفويض بيان العلوم والأحكام على ما أرادوا ورأوا المصلحة فيه لاختلاف عقول النّاس أو للتقيّة فيفتون بعض النّاس بالأحكام الواقعيّة وبعضهم بالتقيّة ويسكنون عن جواب آخرين بحسب المصلحة ويجيبون في تفسير الأيات وتأويلها وبيان الحكم والمعارف بحسب ما يحتمله عقل كل سائل وقد جاء في غير واحد من الأخبار عليكم ان تسئلوا وليس علينا ان نجيب وهذا أيضا لا ريب في صحّته الخامس التفويض في الإعطاء والمنع فانّ اللّه تعالى خلق لهم الأرض وما فيها وجعل لهم الأنفال وصفو المال والخمس وغيرها فلهم ان يعطوا ما شاؤوا ويمنعوا كك وهذا أيضا لا اشكال في صحّته السّادس الاختيار في ان يحكموا في كلّ واقعة بظاهر الشريعة أو بعلمهم أو ما يلهمهم اللّه تعالى من الواقع كما دلّ عليه بعض الأخبار ذكره السيّد ره في محكى رجاله وهو على ظاهره من التّخيير المطلق في الحكم في كلّ واقعة من دون ملاحظة خصوصيات المقام وما فيه من المصالح والمفاسد والحكم المترتّبة عليه كالتّخيير الأبتدائى الثّابت بدليله كالقصر والإتمام في مواضع التّخيير وخصال الكفّارة التخييريّة ونحوهما محلّ تامّل واشكال السّابع تفويض تقسيم الأرزاق جعله في الفوائد ممّا يطلق عليه التفويض وصحّته وفساده يعرف من المعنى الأوّل ولعلّه يرجع اليه أو عينه الّا ان يعمّم الأوّل للخلق والرزق والأجال وغيرها ويختصّ هذا بخصوص الأرزاق كما هو ظاهره الثامن ما عليه المعتزلة من انّ اللّه سبحانه لا صنع له ولا دخل في افعال العباد سوى ان خلقهم وأقدرهم ثم فوض إليهم امر الأفعال يفعلون ما يشاؤن على وجه الاستقلال عكس مقالة المجبّرة فهم بين افراط وتفريط وهو الّذى ينبغي ان ينزّل عليه قولهم عليهم السّلام لا جبر ولا تفويض لمقابلته بالجبر إذ كما انّ في الجبر نسبة العدل الرّؤف إلى الظلم والعدوان فكذا في التّفويض عزل للمحيط القائم على كل نفس بما كسبت من السّلطان وقد جاءت الأخبار بذمّ الفريقين وانّ الحق امر بين الأمرين التاسع قول الزنادقة وأصحاب الأباحات وهو القول برفع الحضر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم ما شاؤوا من الأعمال وإذ قد عرفت ذلك كلّه وانّ بعض الأقسام صحيح وبعضها فاسد فلا ينبغي المسارعة إلى القدح في الرّجل بمجرّد عدّ بعضهم له من المفوّضة إذ لعلّه يقول بالقسم الصحيح من التفويض بل لا بدّ من التأمّل والتروّى ودعوى اشتهار التّفويض في المعاني المنكرة فينصرف الإطلاق إليها وينزل عليها كما ترى ومنها الجبريّة بالجيم المفتوحة ثم الباء السّاكنة خلاف القدريّة وفي عرف أهل الكلام يسمّون المجبّرة والمرجئة لأنّهم يؤخرون امر اللّه ويرتكبون الكبائر قاله في المجمع ثم قال والمفهوم من كلام الأئمّة عليهم السّلام انّ المراد من الجبريّة الأشاعرة ومن القدريّة المعتزلة لأنهم شهروا أنفسهم بانكار ركن عظيم من الدّين وهو كون الحوادث بقدرة اللّه تعالى وقضائه وزعموا انّ العبد قبل ان يقع منه الفعل مستطيع تام يعنى لا يتوقّف فعله على تجدّد فعل من افعاله تعالى وهذا أحد معاني التّفويض وقال علىّ بن إبراهيم لمجبّرة الّذين قالوا ليس لنا صنع ونحن مجبّرون يحدث اللّه لنا الفعل عند الفعل وانّما الأفعال منسوبة إلى النّاس على المجاز لا على الحقيقة وتأوّلوا في ذلك بآيات من كتاب اللّه لم يعرفوا معناها مثل قوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * وقوله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً وغير ذلك من الأيات الّتى تأويلها على خلاف معانيها وفيما قالوه ابطال للثواب والعقاب وإذا قالوا ذلك ثم اقرّوا بالثّواب والعقاب نسبوا إلى اللّه تعالى الجور وان يعذّب على غير اكتساب وفعل تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ان يعاقب أحدا على غير فعل وبغير حجّة واضحة عليه والقران كلّه والعقل ردّ عليهم كما لا يخفى على من راجع وتدبّر ثمّ لا يخفى عليك انّ الجبريّة فرق فمنهم الجهميّة أصحاب جهم بن صفوان والنّجارية أصحاب الحسين بن محمّد النجّار والضرارية أصحاب ضرار بن عمرو وغيرهم ويطلب شرح عقائدهم الفاسدة من الكتب المعدّة لبيان الملل والنّحل ثم انّ الخوارج فرق منهم الأزاوقة أصحاب أبى راشد نافع بن الأزرق والبيهسيه أصحاب أصحاب أبى بيهس الهيصم بن جابر والعجاردة أصحاب عبد الكريم بن عجرد والصّلتيّة أصحاب عثمان بن أبي الصّلت والخمريّة أصحاب حمزة بن أدرك والشعيبيّة أصحاب شعيب بن محمّد والميمونيّة أصحاب ميمون بن خالد والأطرافيّة القائلين بمعذوريّة أصحاب الأطراف والحازميّة أصحاب حازم بن علي والثّعالبه أصحاب ثعلبة بن عامر والرّشيديّة أصحاب الطّوسى ويقال لهم العشريّة والشّيبانيّة أصحاب شيبان بن سلمة والمكرميّة أصحاب مكرم بن عبد اللّه العجلي والأباضيّة أصحاب عبد اللّه بن اباض والحفصيّة أصحاب حفص بن أبي المقدام والحارثية أصحاب الحارث الأباضى واليزيديّة أصحاب يزيد بن نيسه والصّفريّة الزّياديّة أصحاب زياد بن الأصفر واليونسيّة أصحاب يونس السّمرى والعبيديّة أصحاب عبيد المكبت والغسّانيّة أصحاب غسّان الكوفي والثّوبانيّة أصحاب أبى ثوبان المرجئ والصّالحيّة أصحاب صالح بن عمرو الصّالحى وغيرهم ولكلّ من هذه الفرق عقائد سخيفة جملة منها موجبة للكفر وأخرى مورثة للفسق وشرح ذلك كلّه يطلب من الكتب المعدّة لشرح الملل والنّحل ومنها الغلاة وهم معروفون وجعلهم بعض الأجلّة